حيدر حب الله
197
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
المدرسة السائدة قبل العلامة ، أي مدرسة المفيد والمرتضى ، كان عمل الشيعة برواية أو تركهم لها من قرائن القطع بالصدق أو الكذب ، وهذا ما لاحظناه في نصّ صريح سابق للمحقق الحلّي ( 676 ه ) ، أما مدرسة الشيخ الطوسي فقد لاحظنا اعتمادها على الإجماع الشيعي لتأسيس الخبر الواحد الظنّي نظريا ، كما وملاحقة جملة مفرداته ميدانيا فيما سطره الطوسي في آخر مباحث الخبر من كتاب العدّة ، حيث ذكر جملة أسماء استعان بعمل الطائفة على الاعتماد عليها أو جعل مراسيلها كمسانيدها أو ما شابه ذلك . لكنّ الوضع بدأ يأخذ طابعا فيه شيء من الجدة مع مدرسة العلامة ، إذ وجدت هذه المدرسة نفسها أمام ظاهرة الأسانيد ورجالها ، لكنّها حاولت - مع ذلك - توظيف العمل الشيعي أو الإجماع الشيعي في الأخذ بالأخبار ، فقدّمت - ولو في مراحلها الأولى - مزدوجا من السند الذي يملك الأولويّة عند هذه المدرسة ، وعمل الأصحاب الذي يرجع إليه في درجة تالية ، إمّا لتخفيف وطأة وحدة المعيار في السند أو للحفاظ على التقارب الفقهي بما يؤدّي إلى عدم خلق نتاج فقهي غريب عندما يعاد تأسيس شرعية السنّة المحكيّة على أساس السند وحده غالبا . وبذلك تكوّنت بقوّة نظرية الجبر أو الانجبار ، وتعني هذه النظرية التي ما تزال سارية المفعول حتى عصرنا الحاضر إلّا لدى بعض المدارس التي سنشير إليها لاحقا كمدرسة السيد الخوئي ( 1413 ه ) . . تعني أنّ الخبر الضعيف سنديا يمكن جبر ضعفه السندي هذا بعمل الأصحاب به ، مع الإقرار ضمنا بأنّ عمل الأصحاب أو قيام الشهرة على وفقه لا تصحّح سنده بل تكمّل حجيّته ، ومعنى ذلك أنّ الضعف السندي يبقى على حاله حتى مع عمل الأصحاب بالرواية ، فلا تغدو الرواية صحيحة السند بالعمل وفقها ، لكنّها في الوقت عينه تصبح حجّة ، ومتمّم الحجيّة هذا - رغم ضعف السند الذي اعتبر معيارا بعد العلامة - له تفسيراته الأصوليّة ، التي لاحظنا نشاطا في التنظير لها بعد الوحيد البهبهاني ( 1205 ه ) مما سنأتي على ذكره لاحقا ، أي بعد الحقبة الأخبارية ، وكأنّ نظرية الجبر انطلقت بصورة عفويّة في الوعي الأصولي لعلماء الشيعة دون أن نجد تصريحا بمرجعيّتها المعرفية في الفترة السابقة ، لهذا نرجّح أن يكون نصّ الطوسي في العدّة هو المرجعيّة إلى جانب ما نسمّيه بقايا نظرية اليقين ، التي تجعل القرائن الحافّة موجبة للاعتماد على الخبر ، أي أن حجية الإجماع ونظام القرائن لعبا دورا في نظرية الجبر ، وإن لم نجد تفسيرات أصولية لها إلّا في المرحلة الأخيرة كما سنأتي على ذكره لاحقا . وعلى أيّة حال ، فقد ولدت نظرية الأسانيد معيارا أوّليا ، وظهرت إلى جانبها مقولة الجبر والانجبار ، وهذا ما يلاحظ من مراجعة مصنّفات الشهيد الأول ( 786 ه ) ؛ إذ كان